بقلم   نبيل شرف الدين

كثيرًا ما يواجهنا سؤال عن رئيس مصر المقبل، وما إذا كان الفريق أول عبدالفتاح السيسى يعتزم خوض سباق الرئاسة، وقبل أن يُعلنها الرجل صريحة بأنه لا يُفكر بالأمر، كنت أؤكد للجميع أنه أذكى من استدراجه لهذا «الفخ الخبيث»، وحتى هؤلاء الذين دفعهم الحماس بالحشد لمطالبته بالترشح يتصرفون بنيّة طيبة، ويرون الرجل «بطلاً شعبيًا»، وبالفعل أصبح بعيون ملايين المصريين «الربّان الوطنى الماهر» المؤهل لقيادة سفينة مصر وسط هذه الأمواج العاتية، سواء من قبل التنظيم الدولى للإخوان ومن يصطفون خلفه، وبعض القوى الإقليمية كدولتى قطر وتركيا، وحركة «حماس» الجناح الفلسطينى المسلح للإخوان، ناهيك عن المواقف الملتبسة للقوى العظمى كواشنطن والاتحاد الأوروبى.

 

أبشركم: لن يفعلها الجنرال رغم أحقية العسكريين بعد تقاعدهم فى ممارسة حقوقهم السياسية، لكن الرجل الذى أقدم على خطوة تاريخية أفسدت مخططات دولية خبيثة، سيُقدّم مصلحة الوطن، وسيعرف الجميع يومًا ملابسات انحيازه لشعبه وهوية وطنه فى مواجهة العالم، تمامًا كما وقف البطريرك القبطى أثناسيوس قبل ظهور الإسلام بثلاثة قرون، ليتحدى العالم، ويرفض تبعية مصر للغرب، وحين قيل له: العالم كله ضدك يا أثناسيوس، فأجاب بحكمة وصلابة المصرى بعبارته الشهيرة: «وأثناسيوس ضد العالم»، ناهيك عن رحلة العائلة المقدسة لمصر التى احتضنت السيد المسيح وأمه السيدة العذراء.

 

أما عن فضل مصر على الإسلام والذود عن حياضه، فحدث ولا حرج، فيكفيها شرفًا أن معظم الأنبياء شربوا من نيلها، وفتحت أحضانها للصحابة والتابعين، وشُيّد بها أول جامع بأفريقيا، ولأزهرها الشريف منارة العلوم الشرعية فضله المعروف، ولشيوخه مواقفهم التاريخية فى نصرة الإسلام السمح.

 

وإذا أوغلنا بعيدًا فى ماضيها الذى يؤرخ لفجر الحضارة، سنجد الحكيم «هيرمس» ومتونه، التى تُعدّ أقدم العِظّات الدينية قاطبةً، فهى «نصّ روحانى» يستشرف المستقبل، وتوقع أن «يظهر فى مقتبل الزمان متكلمون ببراعة، لكنهم يخدعون الناس لإبعادهم عن روح الحكمة»، ويمضى مخاطبًا مصر: «لن يبقى من دينك سوى لغو فارغ، ولن يلقى تصديقًا حتى من أبنائك، وستتفوقين على الجميع فى العنف»، أليس هذا ما يحدث فى مصر حاليًا؟

 

تتحقق نبوءة هيرمس كأنه يصف أحوال مصر الآن بشيوع ادعاءات تُثير الغثيان، فالصالح يُنعت بالبلاهة، والجاهل يُوصف بالحكمة، والفاسد يزعم التقوى، فأى بصيرة ثاقبة امتلكها ذلك الحكيم المصرى القديم، ليرى المستقبل كأنه يقرأ من كتاب مفتوح؟!

 

عود على بدء لنتحدى الجميع: من كان يتوقع ما أقدم عليه السيسى بالانحياز لشعبه ووطنه لينتشله من مستنقع يعلم الله مدى قذارته؟ لهذا ألتمس العذر لهؤلاء المتحمسين لترشيحه دون الاكتراث بصوت العقل، الذى يؤكد أنه سيوفر ذريعة للمتربصين من جماعات الفاشية الدينية.

 

أدرك أن المصريين يحلمون بقائد وطنى يتمتع بكاريزما وصلابة السيسى، لكن قيادته للمؤسسة العسكرية حاليًا أهمّ من منصب الرئاسة، أما هواجس إمكانية تحوله لديكتاتور يعيد إنتاج «استبداد العسكريتاريا» فهذه «دعاية سوداء» فالشعب تغيّر ولن يقبل بذلك، كما يتمتع الجنرال بوعى سياسى عميق، ويؤمن صادقًا بالديمقراطية، وترسيخ دولة القانون، واستقلالية مؤسسات الدولة، وينأى بالجيش عن تورطه فى السياسة.

 

سيعود جيشنا لثكناته بمجرد حسم الانفلات الأمنى، وقطع دابر المتأسلمين الساعين لإشاعة الفوضى والحرب الأهلية، وصياغة دستور يليق بمصر، ويحميها من محاولات اختطاف «الفاشية الدينية» بمزاعم إقامة «دولة الإسلام»، فقد جربناهم، ورأيناهم بمجرد قفزهم على الحكم كيف هيمنوا على الساحة السياسية والاجتماعية، وأقصوا مخالفيهم، وعمقوا الاستقطاب الاجتماعى بمعتقداتهم المناوئة للدولة الوطنية، سعيًا لحلم «الأممية الإسلامية» الخرافى.

 

وأخيرًا فإن مصر التى أنجبت الملك مينا، والحكيم هيرمس، والقديس أثناسيوس، والفقيه العز بن عبدالسلام «سلطان العلماء»، والزعيم سعد زغلول، والبطل السيسى وغيرهم- قادرة على إنجاب المزيد، فهى ولاّدة، ويتبلور الآن فى رحم الغيب من يعرف قدرها، ويستحق قيادتها، وستُنجب غيره لترسيخ تداول السلطة، وأناشدكم الثقة بهذا البلد الطيب، والاجتهاد بتجردٍ، موقنين بأن الله تعالى لن يتخلى عنه.